السيد محمد باقر الصدر

167

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

الذي أنار قلوب المسلمين الأوائل الذين كانوا لا يعرفون حدّاً للمشاركة والمواساة ، والذين كانوا يشاطرون إخوانهم غنائمهم وسرّاءهم وضرّاءهم ؟ هل تحوّل هؤلاء بين عشية وضحاها إلى مسلمين ، إلى قلوب مسلمة ؟ لا ، لم يتحقق شيء من ذلك ، لا ( كارل ماركس ) كان سيّىء الظن بهؤلاء ، كان ظنّه منطبقاً على هؤلاء انطباقاً تاماً ، ولا أنّ هؤلاء أرعبهم شبح العامل فتنازلوا من أجل إسكاته ، ولا أنّ قلوبهم خفقت بالتقوى ، لم تعرف التقوى ولن تعرف التقوى ؛ لأنّها انغمست في لذّات المال وفي الشهوات ، لم يتحقق شيء من ذلك . إذن ماذا وقع وكيف نفسّر هذا الذي وقع ؟ هذا الذي وقع في الحقيقة كان نتيجة تناقض آخر عاش مع التناقض الطبقي منذ البداية ، لكن ( ماركس ) والثوّار الذين ساروا على هذا الطريق لم يستطيعوا أنْ يكتشفوا ذلك التناقض ، ولهذا حصروا أنفسهم في التناقض الطبقي ، في التناقض بين المليونير الأمريكي والعامل الأمريكي ، بين الغني الإنجليزي والعامل الإنجليزي ، ولم يدخلوا في الحساب التناقض الآخر الأكبر الذي أفرزه جدل الإنسان الأوروبي ، أفرزه تناقض الإنسان الأوروبي ، فغطّى على هذا التناقض الطبقي ، بل جمّده ، بل أوقفه إلى فترة طويلة من الزمن . ما هو ذلك التناقض ؟ نحن بنظرتنا المنفتحة يمكننا أن نبصر ذلك التناقض ، أن نضع إصبعنا على ذلك التناقض ؛ لأنّنا لم نحصر أنفسنا في إطار التناقض الطبقي ، بل قلنا : إنّ جدل الإنسان دائماً يفرز أيّ شكل من أشكال التناقض الاجتماعي . ذلك التناقض الآخر وجد فيه الرأسمالي المستغِل الأوروبي والأمريكي ، وجد فيه أنّ من طبيعة هذا التناقض أن يتحالف مع العامل ، مع من يستغلّه لكي يشكّل هو والعامل قطباً في هذا التناقض . لم يعد التناقض تناقضاً بين الغني الأوروبي والعامل الأوروبي ، بل إنّ هذين الوجودين الطبقيين تحالفا معاً